مقدمة : كما لكل جسد حي روح تحركه , فإن لكل قانون روح خاصة به دون غيره توجهة .
وروح القانون هي تلك الأسباب والدواعي والحالات والوقائع التي خالجت مهجة المشرع ودعته لصياغة النص القانوني من أجل حماية هذا الحق او ذاك وباختصار شديد هي الأسباب الموجبة التي دعت لصياغة هذا القانون أو النص القانوني وقد صدر قانون العلاقات الزراعية رقم 56 /2004 في بعض مواده من وجهة النظر الخاصة مجافيا" لما ذهب إليه المشرع في الأسباب الموجبة وجاء النص بعيدا عن الروح كل البعد وخاصة أن القضاء تعامل في أغلب الحالات مع النص دون الروح فاختلت العدالة وصار الطرف الأولى بالرعاية والعناية والطرف الأضعف في العلاقة الزراعية هو المستهدف فجاء النص القانوني لصالح الطرف الأقوى ألا وهو المالك وهذا يخالف مبدأ العدالة وروح القانون .
وهناك العديد من النصوص التي ابتعد فيها المشرع عن هذا المبدأ .
إن مبدأ العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات مبدأ شرعي و دولي عام .
كما أن قاعدة الشك يفسر لمصلحة المتهم في الأمور الجزائية يقابلها مبدأ عام أن الطرف الأضعف هو الأولى بالرعاية .
وقد حرص مشرع قانون العلاقات الزراعية رقم 134 لعام 1958على حماية الطرف الأضعف حيث قال : بقي الفلاحون في سورية تحت رحمة ملاك الأراضي بلا سند ولا قانون ...........وكانت سلطات الحكم والتشريع المتعاقبة في البلاد والتي كانت تهيمن عليها طبقة الإقطاعيين وكبار الملاكين حريصة كل الحرص على الاحتفاظ بهذه الأوضاع الجائرة المشينة ...........
وقد جاء في مقدمة الدستور التي اعتبرت جزءا" لا يتجزأ منه آنذاك أثناء تعداد الأهداف المقدسة التي بني الدستور على أساسها , وجوب تحرير المواطنين من ويلات الفقر والمرض والجهل والخوف بإقامة نظام اقتصادي واجتماعي صالح يحقق العدالة الاجتماعية ويحمي العامل والفلاح ويؤمن الضعيف والخائف ويوصل كل مواطن إلى خيرات الوطن .
وقد حققت ثورة آذار ما حققته من إنجازات وجاء الدستور السوري ليحمي هذه المكتسبات فجاء في مقدمته مؤكدا على الحفاظ على ما تم انجازة بقولة: إن هذا الدستور سيكون دليلا للعمل أمام جماهير شعبنا لتواصل معركة التحرير والبناء على هدي مبادئه ونصوصه وفي سبيل تعزيز مواقع نضالها ودفع خطاها نحو المستقبل المنشود .
وبناء عليه فقد شاب قانون العلاقات الذراعية هدر الكثير من المكتسبات التي أكد الدستور ضرورة المحافظة عليها وصار الفلاح الذي ناضل ولولا نضاله لما كنا الآن نعيش هذا الوعي وهذا الرقي وهذه الحرية في التعبير عن الرأي وهذا الجو من الديمقراطية وقد عاد هذا القانون ووضع لا بل حشر الفلاح في الزاوية وجعل منه هدفا" يرمى من خلال نصوص تحوي قواعد قانونية عامه ما لبس أن خصصها وأوقع غالبية المزارعين في مقتل منها:
أولا":
جائت المادة 94 منه : يتم العقد بمجرد أن يتبادل الطرفان التعبير عن ارادتين مطابقتين مع مراعاة ما يقرره القانون .
وأكدت المادة 95/أ أن العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون .
وقد صرح المشرع بعبارة محققة لما اكتنز من غاية تحقق العدالة التي نشدها بالمادة 96/أ
حيث قال 96/أ – عقد المزارعة ملزم للمتعاقدين خلال مدة العقد الأصلية أو الممددة في كل ما احتواه من حقوق والتزامات باعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين .
وقد حدد بالفقرة ب من المادة ذاتها كيفية تنظيم العقود
96/ ب - تنظم هذه العقود بين صاحب العمل والمزارع خطيا" ..................الخ
وهنا تجاهل المشرع مصير العلاقات الزراعية السابقة لإصدار هذا القانون وكيفية التعامل معها فأفرد لها نصا" خاصا" بالمادة 163 التي نسفت كل ما سبق ذكرة من أن العقد شريعة المتعاقدين إلى القول بأن عقد المزارعة ملزم للجانبين :
حيث أخضعت الإثبات في هذه العلاقة إلى قانون البينات والى الكتابة فنسفت كل المكتسبات التي حققها المشرع سابقا والذي اعتبر ان المزارع هو الطرف الاضعف في هذه العلاقة وانه الأولى بالرعاية وان إثبات هذه العلاقة جائز بكل طرق الإثبات القانونية.
وخاصة ان هذه الواقعة هي واقعة مادية ملموسة كان على المشرع ان يجعل اثباتها جائز بكافة طرق الاثبات القانونية .
يؤكد ذلك مكاتب النسخ التي صارت تعج بالدعاوى المردودة شكلا" لعدم وجود عقد مزارعه ولإقامة الدعوى بعد سنه من نفاذ القانون .
وقد تعاملت أغلب محاكم الصلح مع نص المادة 163 التي تفيد :على اطراف العلاقة الزراعية القائمة قبل نفاذ هذا القانون توفيق اوضاعهم المختلفة بما يتفق وأحكامة خلال سنة واحدة من تاريخ نفاذه وذلك بمراجعة المديرية لتوثيق علاقاتهم في حال الثبوت وفي حال المنازعة فيترك الامر للقضاء .
وعند اللجوء الى القضاء كان الحكم برد الدعوى لعدم الثبوت معللا : وحيث أن الجهة المدعية تطلب اثبات دعواها بالشهاده وقد اعترضت الجهة المدعى عليها على ذلك مما لايجوز لها ان تثبت دعواها بالشهاده ويغدو هذا الطلب مردودا" .
وهذا ما يؤكد هدر المشرع لحقوق مكتسبة وأوقع المزارعين في ظلم شديد فبأمر وقوة القانون يتم إخلائهم من أراضيهم التي عملوا بها واستصلحوها وغرسوها وسقوها برموش عيونهم وبذلك حطم مشرع هذه المادة مبدأ قانوني عام ألا هو حماية الحقوق وإحقاق الحق والعدالة .
والحل هنا بسيط جدا" هو أن تصبح المادة 163 كما يلي: على أطراف العلاقة الزراعية القائمة قبل نفاذ هذا القانون توفيق أوضاعهم المختلفة بما يتفق وأحكامة وذلك بمراجعة المديرية لتوثيق علاقاتهم في حال الثبوت وفي حال المنازعة فيترك الامر للقضاء وجواز اثبات هذه العلاقة بطرق الاثبات كافة والجائزة قانونا".
وبالطبع الغاء مدة السنة التي فسرتها المحاكم على انها مهلة سقوط وهنا وقعت الكارثة .
ثانيا" : وقع المشرع بذات الخطأ ولم يقم بحماية ورعاية الطرف الاضعف في هذه العلاقة ولم يحافظ على العداله والمساوات بين المزارع وصاحب العمل :
حيث أعطت المادة 106 منه الحق لصاحب العمل فقط حق طلب استرداد ارضه بعد ثلاث سنوات من تاريخ نفاذ هذا القانون مقابل تعويض ( وهذا الاسترداد هو بمثابة فسخ للعلاقة الزراعية .
وقد كرث المشرع مبدأ الاجحاف بحق المزارع بالمادة 107 منه عندما أكد على ان فسخ عقد المزارعة يتم برضا ء الطرفين وبموجب عقد خطي .
وفي هاتين المادتين التأكيد على ترجيح كفة المالك على المزارع .
فالمالك له الحق بطلب استرداد ارضه وهذا يعني فسخ العلاقة بإرادة منفرده في حين لم يسمح ولم يعط هذا الحق للمزارع ولم يعالج هذه الناحية الا باتفاق الطرفين وهذا ظلم كبير ايضا" وهدر للمكتسبات ولمصلحة من لمصلحة المالك وفي غالب الاحيان هو ذراع المالك الاسبق (( الاقطاعي))وهنا يكمن العجب :
الحل :
تعدل المادة 107 لتصبح :
يجوز للمزارع فسخ عقد المزارعة على ان يبلغ المالك ذلك بموجب انذار عن طريق المديرية و قبل سنه من تاريخ الفسخ وبموجب تنازل خطي من قبل المزارع يسجل في المديرية ولا يترتب عليه أي تعويض بعد مضي هذه المدة مقابل التعويض المنصوص عليه في الماده 106منه .
ثالثا: كما ان المشرع حرص على حماية المالك هادرا حقوق المزارع مخلا بمبدأ المساواة بين الحقوق والواجبات وكأن هناك ثأرا" ما بينه وبين المزارع ويريد الانتقام منه : وذلك من خلال عدم إشارته الى حق المزارع بالأبنية والتحسينات والغراس وغيرها التي أنشأها من ماله الخاص على العقار, على غرار الزامة المزارع بتسليم الأرض المزارع عليها خالية من الشواغل والشاغلين , وخاصة اذا علمنا ان جزءا" كبيرا" من المالكين لا يعرفون موقع عقارهم ومكان تواجده وهناك آلاف مؤلفة من الحالات التي استمرت المزارعة عن طريق الإرث وانتقلت الارض المزارع عليها من جيل إلى جيل استدعى ذلك اقامة الابنية والانشاءات وغيرها ولم يعالج المشرع هذه الحاله لذلك نسجل اعتراضنا عليه وللحفاظ على مبدأ العدالة والمساوات كان يجدر بالمشرع الالتفات الى هذه الناحية ومعالجتها بحيث يعطي الحق للمزارع بطلب التعويض والتملك بالالتصاق في حال زادت قيمة هذه الانشاءات على قيمة الارض واعتماد الخبرة في ذلك كأساس لتحديد القيمة بتاريخ الادعاء. حفاظا على استقرار العلاقات ومبدا المساوات والعدالة .
رابعا" :
جائت المادة 110 /أ قاصرة ومجحفة بحق المزارع المستفيد وخاصة ان قانون الاصلاح الزراعي مضى عليه عدة عقود وبالتالي قد تعدد المستفيدين من هذه الاراضي الموزعة وذلك لتعدد الورثة وقد لاتكون الحصة المستفيد منها المزارع تكفي لأن يضع فيها كوخا: فهل يجوز اخلائة من العقار المزارع عليه لهذه الحالة لذلك كان يتوجب على المشرع ان يحدد مساحة كحد ادنىالا وهو الحد المسموح فيه البناء وهو اربعة دونمات زراعية
لتصير المادة على النحو التالي : 110 /1
يعتبر عقد المزارعة قابلا للفسخ بناء على طلب المالك اذا كان المزارع مالكا" او منتفعا" من اراضي املاك الدولة او الاصلاح الزراعي بمساحة لاتقل عن اربعة دونمات زراعية ويعود للقضاء امر البت بهذا الطلب بصورة نهائية مع التعويض .
خامسا" :
جائت المادة 110/2/3 وجاء انحياز المشرع للمالك واضحا" وجليا"حيث حدد سقف التعويض للمزارع فقط 30% وهذا يخالف مبدأ العدلة حيث حدد سقف التعوض عن فسخ عقد المزارعة او استرداد الارض ب 40% للمزارع وهنا استرداد اللارض قسريا ايضا" .
وفي الماده 110/2 و/3 ايضا" نزع يد من طرف واحد وملزم للمزارع وقسري سواء شمل العقار المزارع علية المنطقة التنظيمية او بموجب قانون تنظيم عمران المدن وكان على المشرع ان يساوي بين هاتين الحالتين لاان يحابي حالة على اخرى وخاصة ان المتضرر هو المزارع في كلا الحالتين ان يعطي المزارع 40% من قيمة .
او ان يحافظ على ما هو عليه سابقا" أي 30% دون مهما كانت مدة المزارعة .
سادسا" :
لم يستطع المشرع اخفاء انحيازه لصالح المالك في الفقرة 110/4 حيث
حيث نصت :
تعتبر عقود المزارعة بالمشاركة او بالبدل السابقة لبدء عمليات استصلاح الاراضي موقوفة خلال فترة الاستصلاح والاستزراع وتستأنف هذه العقود أثارها بدءا" من تاريخ صدور قرار وزير الري باختتام اعمال الاستصلاح وبعد توزيع الارض المستصلحة يلتحق المزارع بالارض التي اختص بها صاحب العمل الزراعي .
وفي حال توفي المزارع فما هو مصير ورثته
لقد حرم هذا النص القانوني الورثة من حقهم في العوده الى الارض المستصلحة وفي هذا اجحاف وظلم واخلال بمبدأ العدالة والمساواة , وتسجل سابقة على المشرع السوري .
من خلال ما تقدم ومن وجهة نظر خاصة نرى ضرورة اعادة النظر بهذا القانون لتحقيق مبدأ العدالة والمساواة وحماية وصيانة الحقوق المكتسبة تحقيقا" للغاية المرجوة والتي تشكل روح القانون .
وفوق كل ذي علم عليم .
المحامي حيدر سلامة
15 يونيو, 2008 09:32 ص